ساسي سالم الحاج
227
نقد الخطاب الاستشراقي
أما بالنسبة إلى القرآن الكريم فقد اتفق المستشرقون على أنه المصدر الأساسي للتشريع في هذه المرحلة ، ولم يختلفوا كثيرا إلّا في التفاصيل وإن كانوا متفقين على أن آيات الأحكام قليلة بالنسبة إلى مجمل القرآن . ووصفوا الأحكام الشرعية الواردة فيه بالقلّة والغموض والعموم . أما بالنسبة إلى السّنّة النبوية فقد رفضوا لها تلك المكانة التشريعية في هذا العهد لأنهم اعتقدوا - خطأ - أنها قد تطوّرت بفعل تطور المجتمع الإسلامي ، ولم تتبلور معالمها وتتضح أسسها التشريعية إلّا في القرون الثلاثة اللاحقة للبعثة المحمدية . ويؤكدون أنها أخذت مكانتها التشريعية بعد تطوير الشافعي لرسالته الأصولية عندما وضعها - أي السنّة - في مستوى القرآن باعتبارها هي الأخرى وحيا من اللّه . ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا الأستاذ « كولسون » الذي تعرّض إلى هذا الموضوع بإيجاز واقتضاب كما أسلفنا القول فيه . ونحن نرى خلافا لما ذهب إليه منكر والسنّة حجيتها ومكانتها في هذا العهد الذي نؤرّخ له من أنها كانت مصدرا تشريعيّا باعتبارها المصدر الثاني الذي يأتي في المرتبة بعد القرآن الكريم . ونحن قد بسطنا القول في هذه المسألة في الجزء الأول من كتابنا المنوّه عنه ، والذي رددنا فيه على إنكار المستشرقين . والذي يجدر بنا أن نسطّره في هذا المقام أن السنّة باعتبارها ما أثر عن النبي بعد بعثته من قول غير القرآن أو فعل أو تقرير . وقد وجدت منذ بواكير هذا العهد الذي نؤرّخ له ، وهي مصدر للأحكام وحجة يجب العمل بها بإجماع المسلمين ، ولاستناد هذه الحجة على الآيات القرآنية العديدة التي تأمر بطاعة اللّه ورسوله . وتلك التي تنص على وجوب قبول المسلمين الرسول محكّما فيما يشجر بينهم من منازعات ، وتلك التي تأمر المسلمين على أن يأخذوا ما آتاهم الرسول وينتهوا عمّا نهاهم عنه . وسوف نرى مستقبلا حجية هذه الآيات في جعل السنّة مصدرا أساسيّا من مصادر الفقه الإسلامي . ومع إقرارنا بأن السنّة مصدر تشريعي للأحكام إلّا أن رتبتها ومنزلتها بين المصادر تأتي بعد القرآن الكريم . فلا يمكن الرجوع إليها إلا إذا لم يوجد نص قرآني يعالج القضية المطروحة أمامنا . ولكننا إذا أقررنا بهذه المنزلة للسنّة فإننا سوف نصطدم بقول من يرى أن السنّة عبارة عن وحي من عند اللّه نزل بها جبريل على محمد ولم يأت بها من تلقاء نفسه طبقا لنظرية الشافعي بالخصوص ، فكان المفروض أن تكون للسنّة في